عبد الكريم الخطيب
838
التفسير القرآنى للقرآن
وفي ذلك دليل على أن المراد بهذا ، هم الصحابة الذين كانوا على لقاء دائم بالنبي ، ذلك اللّقاء الذي يدعوهم إلى تقديم صدقات كلّ يوم ، لا صدقة واحدة . . ومن جهة أخرى ، فإنه من المحال أن يضنّ واحد من صحابة رسول اللّه بماله كله ، ويمسك به ، إذا كان هذا المال وسيلة إلى لقاء النبي . . فكيف والصدقة المطلوبة هي بعض من هذا المال ؟ . ورابعا : قوله تعالى في هذه الآية أيضا : « فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ » يشير إلى أن الذين لم يفعلوا ، أي لم يستطيعوا تقديم الصدقة - لا ضنّا بها ، ولكن عجزا عنها - هؤلاء قد تاب اللّه عليهم ، أي رحمهم ، ورفع عنهم الحرج ، وأفسح لهم الطريق إلى مناجاة النبي من غير تقديم الصدقة التي عجزوا عنها . فالتوبة هنا ، معناها الرحمة ، والقبول ، والرضا ، فهي توبة من اللّه سبحانه وتعالى عليهم ، أي عود عليهم منه سبحانه وتعالى بفضله ورحمته . ومثل هذه التوبة ما جاء في قوله تعالى : « لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ » ( 117 : التوبة ) فالتوبة هنا توبة رضى وإحسان . أما التوبة من العبد ، فهي رجوع إلى اللّه بالندم ، والانخلاع من المعصية . . وقوله تعالى « وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ » جملة حالية من الفاعل في قوله تعالى : « فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا » أي إذ لم تقدموا الصدقة في حال قد قبلكم اللّه عليها ، ورحمكم فيها . وقوله تعالى « فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ » - هو جواب « إذ » التي تفيد مع الظرف معنى الشرط . . أي فإذ قد رحمكم اللّه ، وعاد بفضله عليكم ، ورفع عنكم الحرج في لقاء النبي من غير